السيد كمال الحيدري
153
المعاد روية قرآنية
إلى الجسم ، فكما أنّ حقيقة الإنسان في هذه النشأة الدنيويّة مركّبة من بُعدين ، كذلك في تلك النشأة الأخرويّة هي أيضاً مركّبة من بُعدين : بُعد مادّى وبُعد روحانىّ مجرّد . فالإنسان هنا في عالم الدُّنيا شئ واحد في الحقيقة ، ولكن تفصيل البحث هو في الحقيقة حول كون النفس والروح الإنسانيّة محكومة في كثير من الأحيان بقوانين الجسم والبدن ، ولكن في النشأة الآخرة يكون الأمر بالعكس حيث يكون البدن ضيفاً على الروح ، ويصبح محكوماً لقوانين الروح ، وتفصيل ذلك سيأتي في بحث الحشر الأكبر يوم القيامة . من هنا يطرح هذا التساؤل : ما هي حقيقة الروح الإنسانيّة من حيث المبدأ ؟ توجد في هذه المسألة ثلاث نظريّات أساسيّة ، وهى : النظريّة الأولى : وهى النظريّة المعروفة بنظريّة المشّائين ، وهم أولئك الذين يعتقدون بالعقل ومعطياته أوّلًا وأخيراً ، والذي يمثِّل هذا الاتّجاه هو أرسطو في عصور ما قبل الإسلام ، وأمّا من يمثِّل هذا الاتّجاه بشكل واضح وحاول أن يبنى فلسفته على أساس مباني المشّائين في العصر الإسلامي فهو الفيلسوف ابن سينا . ويعتقد أصحاب هذا الاتّجاه بأنّ الروح غير موجودة قبل تماميّة البدن ، فمثلًا زيد من الناس قبل أن يكتمل بدنه وتوجد فيه قابليّة إفاضة الروح فإنّ الله سبحانه وتعالى لم يخلق روحاً لهذا البدن الخاصّ . نعم ، بمجرّد أن كمُل هذا الموجود من الناحية المادّية ومن الناحية المرتبطة بالبُعد الطيني والمادّى خلق الله تعالى روحاً ليفيضها على بدن زيد أو عمروٍ أو بكر أو خالد .